الشيخ محمد رشيد رضا
153
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الفطرة ذكي العقل ناشيء في حجر الشريعة ليهودية ، والمدنية الرومانية ، والحكمة اليونانية ، غلب عليه الزهد والروحانية ، أن يأتي بتلك الوصايا الأدبية ، ونحن المسلمين لا نقول هذا وإنما يقوله الماديون والملحدون والعقليون وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية وأما الوجه الثاني وهو عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه فلا يرتاب العقل المستقل المفكر غير المقلد لدين من الأديان أن عقائد الاسلام من توحيد اللّه وتنزيهه عن كل نقص ، ووصفه بصفات الكمال ، والاستدلال عليها بالدلائل العقلية والعلمية الكونية ، ومن بيان هداية رسله ، ومن عباداته وآدابه المزكية للنفس المرقية للعقل ، ومن تشريعه العادل وحكمه الشوري المرقي للاجتماع البشري - كل ذلك أرقى مما في التوراة والأناجيل وسائر كتب العهد القديم والجديد ، بل هو الاصلاح الذي بلغ به دين اللّه أعلى الكمال ، ويشهد بهذا علماء الإفرنج وقد شرحناه من وجهة نظرنا وجهة نظرهم في مواضع من المنار والتفسير [ آخرها ص 359 ج 10 تفسير ] ومن نظر في قصة آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف من سفر التكوين وسيرة موسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء في سائر أسفار العهد القديم ، ثم قرأ هذه القصص في القرآن بري الفرق العظيم في الاهتداء بسيرة هؤلاء الأنبياء العظام ، ففي أسفار العهد القديم يرى وصف اللّه تعالى بما لا يليق به من الجهل والندم على خلق البشر والانتقام منهم ، ووصف الأنبياء أيضا بما لا يليق بهم من المعاصي مما هو قدوة سوءى ، من حيث يجد في قصص القرآن من حكمة اللّه تعالى ورحمته وعدله وفضله وسننه في خلقه ، ومن وصف أنبيائه ورسله بالكمال وأحاسن الاعمال ، ما هو قدوة صالحة وأسوة حسنة تزيد قارئها ايمانا وهدى ، فأخبار الأنبياء في كتب العهدين تشبه بستانا فيه كثير من الشجر والعشب والشوك ، والثمار والأزهار والحشرات ، وأخبارهم في القرآن تشبه العطر المستخرج من تلك الأزهار ، والعسل المشتار من تلك الثمار ، ويرى فيه رياضا أخرى جمعت جمال الكون كله وندع هنا ذكر ما كتبه علماء الإفرنج الأحرار في نقد هذه الكتب والطعن فيها ، ومن أخصرها وأغربها كتاب ( أضرار تعليم التوراة والإنجيل ) لاحد علماء الانكليز ، وما فيها من مخالفة العلم والعقل والتاريخ ، والقرآن خال من مثل ذلك